قبل مدة ليست ببعيدة صدر خبر من مجلة الطبيعة مفاده أن مجموعة من الباحثين تمكنوا من القيام بمحو جزء من ذاكرة فأرة وذلك باستخدام عقار معين تم تصنيعه خصيصا لهذا الغرض. تتمحور التجربة حول تدريب الفئران على مؤثر مخيف بحيث لو تعرضت له ستعمل على تفاديه لأن المؤثر مخزن في ذاكرتها، فقد أخضعت عينتان من الفئران لهذه التجربة بحيث أعطيت العينة الأولى العقار والعينة الأخرى أعطيت عقارا وهميا (Placebo)
وكانت المفاجأة أن العينة الأولى (التي استخدمت العقار) مضت في المؤثر وكأنها لأول مرة تشاهده، أما العينة الثانية من الفئران لم تحاول الاقتراب من المؤثر لعلمها المسبق بنتيجته. الخبر بحد ذاته ليس بجديد فما أكثر التجارب التي تؤتي أكلها في فئران التجارب ولكنها غير فاعلة عند تجربتها على بني البشر، ولكن دعونا نتخيل معا لو أن هذا العقار أثبت فاعليته فعلا على بني البشر، بحيث يمكن لأي شخص أن يحدد الأجزاء غير المرغوبة من ذاكرته والتي يود محوها للأبد، عندها سيستغل هذا العقار كل من هب ودب. فلو قمت مثلا بتناول وجبة من الطعام من مطعم معين وسببت لك الوجبة تسمما غذائيا، سيعمل صاحب المطعم على دس العقار في الطعام المباع حتى لا يتذكر الزبائن رداءة الوجبات المقدمة في مطعمه. أو مثلا لو حصل لك موقف لا تحسد عليه مع أحد الأشخاص ستعمل جاهدا لتطعيمه هذا العقار حتى لا يتذكر ما حصل، أو مثلا لو أردت أن تتعلم علما جديدا ولكن تجد نفسك تصارع ذات نمط التفكير وتجد نفسك غير قادر على التخلص منه فيمكنك باستخدام هذا العقار أن تمحو أجزاء الذاكرة المخزنة لهذه المعلومات ومن ثم تقوم بتعلم العلم الجديد. أو دعونا نسرح أكثر في الخيال ونتصور أنه يمكن لنا أن نقوم بتحميل حزم جاهزة (Packages) من المعلومات في ذاكرتنا الممحوة، تماما كما حصل ل(Trinity) في فيلم (The matrix) حينما طلبت من زملائها في غرفة القيادة أن يحملوا في عقلها حزمة تعلمها كيفية قيادة الهيلكوبتر. ان تجارب اليوم هي حقائق الغد، بمعنى أن ما نسمع عنه اليوم من تجارب بسيطة ستتطور وتتعقد لتنتج فتوحات علمية مشهودة، ولنا في تطور الحاسب الآلي والإنترنت خير مثال، ولكن السؤال الذي سيبقى دائما كيف يمكن استخدام أو وضع الأطر السليمة للتعامل مع هكذا عقار لو أصبح متاحا في أيدي العامة أو حتى في السوق السوداء، كيف لنا أن نسخر مثل هذا العقار مثل بقية الاختراعات العلمية في خدمة أفضل لبني البشر

، هل يمكن مثلا استخدامها في التعليم بحيث نقلب النمط المعتاد من التلقين والحفظ إلى المسح والتخزين

وهل هناك أية آثار جانبية حال كثرة استخدامها لمسح العقل البشري، كما يحدث مع الأقراص الصلبة

لا أعلم!! ولكن بالتأكيد هذا ما سيحاول الباحثون في هذا المجال إيجاد إجابات له خلال الأعوام القادمة بإذن الله.